– ريم وارتسي
هل للغة أهمية؟ استعراض و استقصاء اللغة والجندر و العنف في أفلام رشيدة، وحريم السيدة عثمان وبركات

0
724

ريم وارتسي –

هل  للغة أهمية؟ استعراض و استقصاء اللغة والجندر و العنف في أفلام رشيدة، وحريم السيدة عثمان وبركات

English | Français

يهدف هذا المقال إلى كشف ما تعرّضت له النساء من عنف خلال العشرية السوداء التي شهدتها الجزائر بين عامي 1992 و1999 -تمثل فترة اضطرابات سياسية وإجتماعية- من خلال عدسات الأفلام التي صدرت في تلك الفترة. وتُمثل العشرية السوداء فترة العنف التي وقعت في الجزائر بعد حلّ البرلمان وتوقف الانتخابات في عام1991.  وقد أدت النزاعات التي حدثت بين الجماعات الإسلامية المسلحة وبين الجيش الجزائري إلى إغتيال المدنيين والمثقفين وإلى ترحيل وتهجير السُّكان. فيبحث المقال على كيفية معالجة الأفلام الجزائرية للعنف وعلاقته بالجندر وكيفية استعمالات اللغة كرمز للايديولوجيا.

رغم أنّ الأفلام تتشكل من خلال الطابع الذاتي للمنج وتتقّيد بالعوائق المادية والزمنية فهي كذلك تتحدّد بالثقافة المنتجة لتلك الأفلام.  فهذه الأخيرة تشكل جزءا من السرد الاجتماعي لفترة زمنية ما وتقدم منظورا يساعد على فهم أثر الأحداث المهمة وعلى فهم الوضع.  فخلال عشرية العنف تفككت هياكل الدولة التي كانت تمول سابقاً الأفلام بسبب الوضعية الغير مستقرة للبلد والتهديدات بالقتل التي كان يتعرض لها صانعو الأفلام  أدّت إلى تقلص ونُدرة عدد الأفلام المُنتجَة في فترة التسعينيات.  فلذلك لا نجد الكثير من الصور التي تجسد تلك الفترة.  ممّا أدى بالمؤرخ “بنيامين ستورا[1] أن يصف الفترة ب “حربٍ بدون صور”. غير أنّ فترة عودة السينما الجزائرية بعد فترة العشرية السوداء إتسمت بظهور إنتاج نسوي ملحوض أين برزت مُخرجات أفلام جزائريات تهتم بقضايا النساء بالدرجة الأولى خاصة ما يتعلق بأمور ما بعد الصدمة.

فالأفلام التي اخترتها كانت لها حكاياتٌ مختلفة، ويمكن ألا تدرج تحت تسمية “سينما الأزمة”، ولكن كل هذه الأفلام تشترك في ذكرها للأحداث التي عاشتها المرأة في العشرية السوداء.  إخترت ثلاثة أفلامٍ أنتجت بعد مرحلة العشرية السوداء وقد صورت العنف الذي تعرضت له المرأة في تلك المرحلة، وهي: حريم مدام عثمان (ندير مقناش2000)، رشيدة (2002 يمينة بشير شويخ) وبركات (2006 جميلة صحراوي). ولقد اخترت هذه الأفلام لأنها تمثل مراحل زمنيةٍ مختلفةٍ في النزاع. شاركت في إنتاجها شركات إنتاج فرنسية، تلقى بعضها تمويلاً من الدولة الجزائريّة، وجميع هذه الأفلام صورت المرأة كبطلة الفيلم. واستخدمتِ الأفلام لغات مختلفة منها: الفرنسية، واللغة العامية (الدارجة) ومزيج بين (الدارجة والفرنسية). والأسئلة التي تخطر ببالي هي: ماذا أضافت هذه اللغات للشخصياًت الرئيسية في كل من هذه الأفلام؟ وما هي الاختلافات في النّصوص من حيث اختلاف اللغة، وما هو مدى تأثير اللغة الفرنسية والعربيّة على طريقة سرد كلٍّ من هذه الأفلام؟ وكيف ساعد استعمال اللغة في تمهيد الطريق لمشاركة الجنس مع العنف، وقوة العلاقة بينهما؟

والجدير بالذكر أنّ هذه اللأفلام لا تتناول الفترة فقط بل كما هو الحال  في فيلم حريم مدام عثمان وبركات فهما يسلطان الضوء على أحداث الماضي من خلال تجسيد دورالمجاهدات وهنا نتساءل كيف لتلك الأحداث أن تحفر في الذاكرة ليتم التعبير عنها، وكيف استعملت اللغة من أجل هذه الأغراض.  و يلاحظ الباحث عبدالقادر شرف[2] أنّ الحركات النسائية كانت الأقدر على مجابهة اللاسلاميين والسلطة في فترة العشرية السوداء. ففي الجزء الذي يلي سأسلط الضوء على كيف استطاعت مُخرجات الأفلام ككاتبات وكبطلات في الأفلام أن تجسد ذلك من خلال اللغة التي المُستعملة للتعبيرعن قضاياهن.  ولكن قبل ذلك, أجد أنه يجدر بنا الحديث عن الخطاب الموجود في الجزائر حول اللغة.

كانت  اللغة أيضا وسيلة لتأسيس الهويّة الوطنية في فترة  ما بعد الإستقلال. ونقول أن نموذج الدولة الجزائريّة المستقلة الحديثة بُني وفقا للمخطط الاستعماري للدولة، عن طريق إعتبارالجزائر كدولة عربية مسلمة: العربيّة الفصحى  أصبحت اللغة الرسمية والإسلام دين الدولة. والهدف من تعزيز الّلغة العربيّة والإسلام هو هدف ثنائي لإدراج الجزائر ضمن القومية العربيّة وإثبات أنّ الجزائريين الذين إستعادو السلطة من الحكم الاستعماري الفرنسي, فحينها كانت اللّغة العربيّة مُهمشة بالرغم من تدريسها في المدارس الفرنسية في وقت من الأوقات (كاللغة أجنبية).  فكانت سياسة فرض اللّغة العربيّة الفصحى في الإدارة العامة والمدارس أي ما يُعرف في وسائل الإعلام بحركة التعريب مكثفة على مدارعقود من خلال النّصوص الرسمية.  و بالتاي كانت حركة التعريب تُعتبر مكسبا سياسيا بالدرجة الأولى.  ويرى باحث اللّسانيات الإجتماعية محمد بن رابح[3] في ترويج الّلغة العربيّة الفصحى وفصلها عن اللّغات الأخرى على مدى سنوات كسياسة متبعة من عدة حكومات كانوا يبحثون عن التحالف لأجل التّعريب بِحتراف و أيضا لمواجهة المتشدّدين الفرانكفونين.

نحن نعلم أنّ توحيد اللغة هي مركز الخطاب القومي والذي يتعدى الى خطاب رفض ومنع أي شيء له علاقة بالمستعمر. فتقول الباحثة في اللسانيات الاجتماعية كاثرين ميلر[4] أنّ الحكومة الجزائرية كرّست جهودا جبارة للقضاء على اللغات المحلية أكثر ما فعلته مع اللغات الأجنبية.  فلم تكن اللغات الغير عربية تعتبرجزءا من الهوية الوطنية لفترة ما بعد الاستقلال.  وهذه السياسة اتبعها بعض مدراء انتاج الأفلام لكي يتماشوا مع السياسة العامة للتعريب لفترة السبعينيات. أما الكتاب الجزائرين أمثال كاتب ياسين و آسيا جبار و رشيد بوجدرة فقد استعملوا تنوع في اللغات لتحدّي سلطة أُحادية اللغة وأُحادية السلطة وأسطورة بناء الدولة. كما اتبع حذوهم بعض السنمائيين واستعملوا اللغة لمسائلة بناء الدولة وهذا للتاكيد أنّ بناء الدولة ليس له علاقة باللغة. ومن خلال ماعرضناه عن علاقة اللغة بالهوية الوطنية, سنقدم دراسة للأفلام الثلاثة المذكورة آنفا لتوضيح كيف استعملت اللغة في هذه الأفلام لتصدي عنف العشرية السوداء.

1. رشيدة: الدارجة والهوية الوطنية

يعدّ فيلم رشيدة أول فيلم من المخرجة  يمينة بشير شويخ و تعتبر هي كاتبة ومخرجة الفيلم الذي تلقى الاهتمام الدولي والعالمي لأنه يوثق لمرحلة سادها التعتيم, مرحلة التسعينيات أين كانت القنابل ُتقذف لتُروع السكان الذين كانوا يعيشون في رعب دائم. فقد مرّ فيلم رشيدة في المهرجانات الدولية كمهرجان “كانوحاز على جائزة ساتياجيت راي  في مهرجان لندن في سنة 2002 وهي السنة التي تمّ فيها اخراج الفيلم في فرنسا و في الجزائر. و قد استقطب ما يقرب 60,000 متفرج في الجزائر و125,000 في فرنسا. ورقم المشاهدة الذي وصل اليه في الجزائر 60,000 متفرج  فهو عال خاصة وأن أقل من عشرة دور سينما بقيت فاتحة أبوابها وقتها. وتذكر يمينة شويخ أن الشعب الجزائرى تأثر بالفيلم لآنه يعبر عمّا أحسه وهذا الصدق في الاحساس لم يحصل منذ فيلم معركة الجزائرفي 1966.

ولدت يمينة بشير شويخ في سنة 1954. درست لفترة قصيرة جدا في المدرسة الجزائريّة الوطنية للسينما. وكان أول مشوارها في الاشراف على كتابة سيناريوهات لفيلمين جزائريين هما ما ساعد على تكوينها عمر قتلاتو (1976 لمرزاق علواش) ورياح الجنوب (1982 لمحمد لخضر حامينا)[5].  يجدر الاشارة هنا على أنّ عمر قتلاتو أول الأفلام التي استعملت الدارجة ولم يستخدم اللغة العربيّة الفصحى وهذا كان منافيا للممارسات المُوصى بها من قبل الدولة والتي كانت ترعى إنتاج الأفلام. وقد كان فيلم رشيدة أيضا بالدارجة.

كانت القصص مستوحاة من قصص حقيقية: وفاة المعلمة بالقصبة في الجزائر العاصمة. زكية قصاب التي قُتلت بعد رفضها لوضع قنبلة في مدرستها[6].  بطلة فيلم رشيدة التي تعيش في منطقة الطبقة العاملة مع والدتها المطلقة ولديها وسائل معدودة كما يوضح مشهد واحد أنها لا تمتلك المال لشراء حذاء مستورد. على الرغم من ذلك فإننا نرى أنها لا تخجل من ذلك بل تطمح لشراء الأحذية الجزائريّة فقط. في طريقها إلى المدرسة الابتدائية أين عُينت كمعلمة, قامت مجموعة من المراهقين بتهديدها مستعملين السلاح. كانت تلك المجموعة تطلب منها وضع قنبلة في المدرسة وعند رفضها ذلك بشكل قطعي أصيبت بطلق ناري كاد يؤدي بحياتها إلى الهلاك.  في وسط الهجوم تعرّفت المعلمة على تلميذٍ سابق وبعد أن تعافت، غادرت العاصمة واختبأت مع أمها في قرية نائية حيث كانت تعمل في مدرسة مجاورة. في يومٍ ما، وبعد أن شُفيت من الحادث الذي عاشته, جلست وكانت تهزأ رأسها، مستمعة إلى الأغاني وكانت تعاني من كوابيس الهجمات الإرهابية. وفي نهاية الفيلم، كانت الأحداث تعيد نفسها حيث داهم الإرهاب حفلة زفاف، خطفوا النّساء وقتلوا الأطفال.

 وجدت يمينة بن شويخ صعوبة في إيجاد التمويل وقضت خمس سنوات في جمع الأموال اللازمة للفيلم.  وفي نهاية المطاف تمّ تموله من التلفزيون الفرنسي – الألماني اي ارتي، مؤسسة قان للتأمين  كما تلقت بعض التمويل من وزارة الثقافة والاتصال الجزائرية.  وأكدت شويخ أنّ نفس النص قُدم للجنة الجزائرية للتمويل وهيئات التمويل الأجنبية ممّا يعني أنّ النص لم يخضع للرقابة أو للتعديل لكي يحظى بموافقة المُمولين[7].

وقدمت شويخ  فيلمها على أنه محاولة لتصوير ما عاشته النساء العاديات من عنف. وقالت أنها تهدف إلى تصوير الحياة ‘البسيطة للفقراء’، الذين عانوا من الإرهاب ولكنهم واجهوا عدم اعترف وسائل الإعلام بهم. فهي إختارت المرأة لتكون البطلة على أرض الواقع لأن: ‘المرأة هي تلك التي تعطي الحياة لا الموت’. وقد أُنتقد فيلم رشيدة من الصحفيين الجزائريين مثل ياسين إيدير[8] والذي اعتبرالفيلم بانه يمتازبالإفراط في تبسيط و تنميط الحالة الجزائرية في وقت الأحداث. كما انتقدت الصحف الجزائرية المكتوبة باللغة العربية مثل جريدة الحوارالفيلم بحجة أنه يعطي صورة مشوهة عن الجزائر:عن البطالة وتهميش الشباب، فشل الدولة في حماية الفقراء والضعفاء، حالة المرأة التي تظهر كضحية النظام الأبوي. فاعتبر صحفي جريدة الحوارأن شويخ متأثرة بالثقافة الغربية و لا تحترم القيم والعادات والتقاليد للبلاد. غير أن الفيلم يصور معاناة أهل القرى من ويلات العنف[9] الذي عاشوه في فترة العشرية السوداء وليس كما يدعون.

 سأركز الآن على مشهدين إثنين لتوضيح إستخدام اللغة. كما سأقدم كذلك صورة تبين كيف تستخدم رشيدة لغة التفاوض لتجد مخرجا من العنف الذي عاشته والصدمة التي ما تزال تعاني منها. يظهر المشهد الأول رشيدة أمام أحد تلاميذها و الذي يسألها ما إذا كانت الجزائر حقاً ‘المدينة البيضاء[10]‘  كما يُشار لها. فترد على أنّ البياض مرتبط بالصفاء والنقاء وأنّ أي مدينة تصبح بيضاء إذاعاش أهلها بحرية ودون خوف وبكرامة.  فتظهر رشيدة و هي تتحرك وتحكي. والتلاميذ ينصتون لها بشكل حيويّ؛ تتبع الكاميرا حركات رشيدة. لقطة طويلة تظهر الفصل كله، ويتمّ تصويررشيدة من الخلف، يركز الجمهورعلى تعابير التلاميذ وهم يستمعون لها. حركة الكاميرا تعزز الشعور بحوار حميم: فهي تشارك المشاهد والتلاميذ أفكارها  وهي تتحرك جسديا وحين تتوقف الكاميرا, تستعيد رشيدة نشاطها المعتاد في الفصل وهي تسأل التلاميذ وتنادي أسماءهم كما تفعل عادة لتسجل حضور التلاميذ.

يقول الباحث عبدالكافي البيريني أنّ “اللغة العربية” هي اللغة التي تضفي طابعي ‘الجديّة والأهمية لأي موضوع’  في حين ‏أنّ الدارجة هي اللغة التي ‘تستخدم للسرد وإعطاء أمثلة ملموسة’. ومع ذلك، تعكس رشيدة هذا البيان وتستخدم الدارجة لنقل ‏وجهات نظر أيديولوجية.  قبل هذا المشهد، تظهر رشيدة مع زميلها المُدرس وهو يقدمها للفصل. فهو يستخدم اللغة العربية من ‏مغبة شكوى رشيدة منهم . انّ جمعية “اللغة العربية  الفصحى” وسلطتها الذكورية تتناقض مع الطريقة التي تتعامل بها رشيدة ‏مع تلاميذها والتي تدعوهم بها لطرح الأسئلة.  فهناك ربط بين الدارجة وطريقة التعاطف.  واستخدام الدارجة أيضا ‏يجلب الإحساس بحميمية أو بشيء متوقع نظراً لأنها اللغة اليومية المستخدمة في المنزل وخارج المدرسة. فإستخدام الدارجة يخلق القرب ليس فقط مع التلاميذ ولكن أيضا مع المشاهد الجزائري، ويجعل من الواضح أن استعمال الدارجة في رشيدة خيار واع. يتزامن السياق التاريخي للفيلم، في التسعينات، مع تكثيف التعريب وتعزيز “اللغة العربية الفصحى” باعتبارها اللغة الرسمية الوحيدة للخطاب السياسي في وسائل الإعلام والبيانات الرسمية، والمراسلات الدبلوماسية. فتقول فريدة أبو حيدرأنّ الإسلاميين رفضوا الدارجة لأنها لا تمت بصلة بلغة القرآن.  غير أن الدارجة واحدة من اللغات الأم وهي اللغة التي يستعملها الأطفال للتكلم قبل حضورهم إلى المدرسة. فغياب “اللغة العربية الفصحى” من الفيلم مع تصوير لاستعمال الدارجة في المدرسة وفي المنزل، يعطي رشيدة مسافات إيديولوجية من تعليمات السلطة و من الآراء الاسلامية.  ويتناقض المشهد الثاني ليُبرز رشيدة مع معلمة أخرى. يُظهر تصوير المعلمة عن قرب لنرى كثافة و حدّة المناقشة بينهما. فتطلب المعلمة من رشيدة بالدارجة ما إذا كانت متزوجة. ثم تسألها: ‘لماذا لاترتدين الحجاب ؟’. بتجيب رشيدة بخفة دم و تقول أن الطبيب لم توص بذلك. فتغضب المعلمة من الطبيب الذي أعطى لنفسه سلكة أكبر من سلطة الله، وتستشهد بآيات من القرآن الكريم. فترد رشيدة بآية آخرى من القرآن ممّا يدل على اتقانها “اللغة العربية الكلاسيكية” وتعاليم الدين الإسلامي.كما  أنّ إستخدام الدارجة في مشهد الحوار مع رشيدة يعطي نوعا من اللمسة  الطبيعية’ التي تتحول إلى مناقشة، على الرغم من أن الحوار في حدّ ذاته ‏مشبع بالإيديولوجيا. ومع ذلك، عندما يفشل إستخدامها للدارجة في تحقيق التأثير المطلوب على رشيدة، تحاول الزميلة تأكيد ‏التفوق والاستعلاء عنها باستخدام “اللغة العربية الفصحى” مستدلة ببعض الآيات الدينية. تعي رشيدة التأكيدات الضمنية في ‏استخدام زميلتها “اللغة العربيةالفصحى” ويأتي ردّها بدوره في المشهد الثاني مثيرا للجدل ممّا يجلب الانتقادات في انتقد عربية ‏الحوار ردا على رفض رشيدة للحجاب كتمسك بن شويخ بالقيم الغربية.‏

 لقد كان حجاب النساء موقفا سياسيا ودينيا مُتخذا من جانب كل الأطراف الإسلامية، وفي وقت لاحق، الأحزاب الإسلامية المسلحة: و كان عدم تحجب النساء يعني الافتقار إلى القيم الأخلاقية وكان ما يميز ‘المسلمات الحقيقيات’ هوالحجاب من أجل الالتزام بالقوانين الإسلامية و حماية أنفسهم من نظرات الرجال[11].  وتؤيد زميلة رشيدة أن الزواج والحجاب هما ما سيحفظ الأخلاق الحميدة وشرف المرأة. فتؤكد أنّ الحجاب يتوافق مع ‘التواضع، الطاعة والاستقامة الجنسية، وأنّ جميع هذه ‘الصفات’ يُعبرعنها علنا وصراحة بارتداء الحجاب[12]. فهنا قامت الزميلة بقبول وترديد الخطاب حول الحجاب. كما استخدمت خطاب بلاغي للضغط على رشيدة بمزج الدارجة مع “اللغة العربية الفصحى”. ويوضح المشهد الخطابات الأيديولوجيات السياسية المختلفة بين النساء رغم اتحادهن في استعمال الدارجة. ولذلك، فليس هناك انقسام لغوي واضح، بين ممثلي المعارضة للإيديولوجيات السياسية. كما تصورالمناقشة بين رشيدة وزميلتها حياة القرية و تعطي فكرة واضحة عن العلاقات بين الجنسين والتوتر الجنسي والقيم الأبوية: تلتزم المرأة بالحفاظ على عذريتها قبل الزواج وتظهرنساء القرية على انهن تقريبا كلهن محجبات، ويتم فرض مسافة تعزل بين الرجل والمرأة.

 فاطمة هي والدة رشيدة وهي أيضا محجبة.غير أنها  لا تضغط  على رشيدة لارتداء الحجاب. فتستخدم فاطمة اللغة والموسيقى لطمأنة ابنتها لتستطيعاالعيش بسلام في تلك الفترة الحرجة. فبينما كانت الممثلة التي لعبت دو رشيدة ( ابتسام جوادي) غير معروفة للجمهور الجزائري–لأنها كانت لا تزال طالبة في مركز “الدراما الوطنية”, فالممثلة التي لعبت دور والدتها فاطمة (بهية راشدي) فكانت معروفة جدا للجمهور الجزائري. فقد ظهرت راشدي في العديد من المسلسلات التلفزيونية الشعبية والأفلام كما قدمت برنامج طبخ شهير، وكانت أيضا جزءا من “أوركسترا التليفزيون الوطنية” لثلاثين سنة. و لقبتها الصحفية ياسمين ب (الأم الطيبة) نظراً لأنها غالباً ما كانت تلعب دور الأم[13] المحبة. راشدي هي أساسا نجمة تلفزيون، وهذا ما يتفق مع وصف جيمس بينيت ‘للشخصية التلفزيونية ‘ كشخصية تستثمر في  في الصورة المرئية[14] باﻷساس. وفي ذلك يشيربينيت إلى أصالة و أريحية التصرف للنجم التلفزيوني التي تنتج ‘الخلط بين الشخصية التلفزيونية و الشخص والصورة المرئية[15] باﻷساس. فشخصية فاطمة هي ما نسميه بدور راشدي الكلاسيكي والذي يجسد العديد من الميزات الشخصية العامة والخاصة للممثلة. فاطمة من تظهرعلى أنها متدينة, تؤدي صلاتها، وهذا ما يجعلها تتساءل كيف يكون الإرهابيين اسلاميين حقا.  وقالت أنها تستخدم الفكاهة، الأمثال بالدارجة والحكمة الشعبية الجزائرية التقليدية لطمأنة وراحة ابنتها. وكثيراً ما كانت فاطمة تغني الموسيقى الشعبية والتي هي معروفة عند الجمهور الجزائري. أغانيها مستمدة من الشعبي (الموسيقى الشعبية التقليدية الجزائرية) وموسيقى الحوزي. و الحوزي هي الموسيقى الناعمة التي غالباً ما تتسم بكلمات تعبر عن معاناة. وهي تنبع من شمال غرب الجزائر (تلمسان) وتُغنى باللهجة الأصلية. وكثيراً ما تستمع رشيدة للشاب حسني، مغني الراي الشعبي الذي اغتيل أثناء العشرية السوداء. الراي يستعمل مزيج بين الدارجة والفرنسية، و غالبا ما ما يخلط محتوى جنسي مع قصص لمعاناة في الحياة. فقد كان الراي في بداياته ممنوعا على وسائل اعلام الدولة الجزائرية وفي الثمانينات تمت ادانته من الإسلامين كغير أخلاقي[16].

و تصبح الدارجة والموسيقى بلسم الشفاء الذي يُنقل من خلاله حب الأم. كما تسمح الموسيقى لرشيدة وفاطمة الهروب من الحاضر والحالة التي تعيشان فيها. فالموسيقى هي ما  يفتح لهما لحظات لالتقاط أنفاسهما لأنها تجلب لهما رنينا عاطفيا. واختيار موسيقى ديجيتيك أي التي تحتوي حركات تعبر عن أصوات تشير الى تأثير ما وغير ديجيتيك على حد سواء.  و تستعمل جنبا إلى جنب مع الدارجة والتي تصورالمناظر الطبيعية اليومية والعادات في الجزائر. وعلاوة على ذلك، فإن كل هذا المزج يهدف إلى بناء خطاب يهتم بالممارسات الثقافية للجزائريين الذين يستخدمون الدارجة ويقاومون السياسي والديني للاصولية.

يُوقظ تطورالفيلم عند رشيدة الوعي السياسي و الذي من خلاله تتهم بغضب الدولة بما تسميه الحقرة كلمة شمال أفريقية ‏مشحونة سياسيا و تستعمل كما هي بالدارجة. وتستخدم للتعبير عن الاستياء تجاه السلطة المؤسسية. وترفض رشيدة أيضا ‏مشروع المصالحة الوطنية ‏. فتتساءل:كيف تغفرإذا كان أولئك الذين حاولوا قتلك لم يطلبوا منك المغفرة؟ ففي نهاية الفيلم،  ‏تظهررشيدة رمزا أو الناطقة باسم فكرة ما على أن تكون مجرد انسان. فالطريقة التي صورت الفيلم، من خلال لقطات طويلة ‏و أخرى مقربة، وبعض مشاهد صورت من وجهة نظرها تخلق مسافة بين المشاهد ورشيدة. ففي الواقع كانت اللقطات ‏الأكثر غضبا أوالتي تعبر عن الصدمة تُصور من وجهة بعيدة عنها. وفي المشهد الأخير تُصور رشيدة عن قرب ‏للتركيزعلى وجهها: و كان ذلك عقب مذبحة إرهابية للسكان المحليين.  في الأخير ترجع رشيدة الى المدرسة وتكتب ‘درس اليوم’ ‏على السبورة قبل أن تظهر وهي تتحدى الكاميرا. ففي تلك اللحظة يستكمل رشيدة مسيرتها الرمزية فتجد بيتا جديدا و‏غاية في الحياة في نفس مدرستها.  فهدف الفيلم ليس تحدّي الوضع اللغوي في الجزائر ولكن المغزى من الفيلم هو أن التغيير في ‏الجزائر سيأتي من طرف النساء و التعليم.‏

2. بركات!  هل يُمكن لنا نحن (النساء) التحدث إليهم (الإرهابيين)؟

بركات! هو أول دراما لجميلة صحراوي. ولدت صحراوي (عام 1950) ودرست صناعة الأفلام والتحرير في إيدهيك (المعهد الفرنسي للسينما) وعملت على إنتاج ستة أفلام وثائقية، البعض منها كان عن التعامل مع الحياة في الجزائر أثناء  والذي يعتبر فيلما وثائقيا نسويا حول المجاهدات وغيرهن من النساء الذين قاوموا الإرهاب.‏La Moitié du ciel d’Allah (1995) و بعد العشرية السوداء مثل

الجزائر، الحياة رغم كل شيءL’Algerie, La vie Quand Meme  و الذي يصور الحياة في قرية قبائلية و تسلط الضوء عن بطالة الشباب ويحتوي على مقابلات مع الشباب باللغة البربرية الأمازيغية  في فترة العشرية السوداء (2001). و تشاركت صحراوي مع سيسيل قرقافتيغ Cecille Vargaftig في كتابة الفيلم. و كان التمويل مشرك فرنسي ألماني أرتي و لم يحصل على تمويل جزائري. فمثل شويخ, تريد صحراوي أن تقضي على الصورة النمطية للمرأة الجزائرية على أنها “مقيدة” و”خادمة مطيعة” مثلما نراه في الأفلام الجزائرية.

بركات تعني كفاية في الدارجة و الكلمة مرتبطة بحركتين احتجاجيتين. واحدة منهما هي حركة سبعة سنين بركات و التي برزت بعد الاستقلال في 1962 و كانت ردا على فترة الاغتيالات و الصراعات السياسية. أما الحركة الثانية فهي حركة بركات التي تقودها طبيبة شابة ضدّ اعادة ترشيح الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة في 2014. و لاضافة بعض الصدى للكلمة, فهناك ايضا حركة نسائية في الجزائر وفي فرنسا تسمى 20 سنة  بركاتو التي ترفض قانون الأحوال العائلية 1984.

 تروي بركاتقصة الممثلة أمال )رشيدة براكني( التي تبحث عن زوجها المخطوف. أمال, طبيبة تعمل في ضواحي الجزائر في مدينة ساحلية. و من المناقشة في المستشفي نعلم أن زوجها كتب مقالا عن الارهابيين. فتبدأ أمال رحلتها مع الممرضة خديجة وهي الممثلة فطومة بوعماري بعدما ذكر جارها الميكانيكي أن  زوجها في غابة في جبل[17] تحت تصرف الارهابيين. تأخذ خديجة وهي من المجاهدات الذين حملوا السلاح إبّان حرب التحرير سلاحها و حايكها )الغطاء التقليدي للنساء الجزائريات من منطقة العاصمة و هو الوسيلة التي استعملتها الجزائريات للتخبي من المسعمر(.  تخرج خديجة و أمال الى الجبل غير أنهما يتعرضا الى اختطاف من قبل الارهابيين في الطريق. تتعرف خديجة على واحد من الارهابيين فتتحدث معه بالفرنسية والدارجة فقد كان مجاهد معها في الجبل ابان الثورة التحريرية. وتتذكر خديجة انها من أنقذت حياته في الجبل عندما كان جريحا. فبعد الاستقلال أصبح ذلك المجاهد متديّن ولكنه إنظمّ الى الحزب الاسلامي المسلح. و بعد فترة يطلق الارهابي سراحهما ويمضيا في السير حتى يلتقيا برجل عجوز يعيش وحده فياخذهما الى بيته و نعلم منه أنه ايضا فقد أولاده. عندما ترجع أمال و خديجة تكتشفا أن جارهما الميكانيكي هو من خبأ زوج أمال. و في نهاية الفيلم  تجلس خديجة و الرجل العجوز على شاطئ البحر يستمتعان نوع من الحرية و يصيحان معا: بركات بعدما يرمي العجوز بندقية أمال في البحر.

يمثل الفيلم مواحهة بين خديجة و أمال اللتان تتغلبان عن العنف و تتعرف كل واحدة على الأخرى يشكل أعمق و هما تواجهان أصعب الأمور. فيعطينا الفيلم نظرة جيلين مختلفين للحياة و حتى في الواقع فأمال أي رشيدة براكني جزائرية فرنسية و خديجة أي الممثلة الجزائرية فطومة بوعماري التي غادرت الى فرنسا في فترة العشرية السوداء. شارك الفيلم بركات في مهرجانات عدة و فاز بجائزة مهرجان دبي للآفلام في 2007 و حاز على جوائز أخرى مثل جائزة أحسن سيناريو لمهرجان الأفلام الافريقية في واقدودو في 2007.  غير أن الصحافة العربية و الفرنسية اجمعت أن الفيلم ضعيف و من النوع الرديئ تقنيا و أن الجوائز التي حصل عليها ماهي الآ من أجل جرأته[18] و ليس ابداعه الفني. و كان النقد لاذعا لأن الفيلم في نظر النقاد يسيء الى صورة المجاهدات التي لا يجب أن تقترن بالارهابيين[19]. فيعتمد الخطاب الوطني على تمجيد الثورة و بطولات المجاهدين في قهر العدو. و الملفت للانتباه أن هذه الجرائد لم تشر الى دور المجاهدات في الثورة. فبالنسبة للصحفية فتيحة بوروينة يقوم الفيلم باعطاء صورة مغالطة عن الأمة الجزائرية خاصة عندما يتمّ الايحاء أن الدولة لم تقم بواجبها نحو شعبها.  :ما أن السؤال: من يقتل من؟ و هو سؤال أعيد طرحه كثيرا في العشرية السوداء خاصة في الاعلام الفرنسي في اشارة منهم الى دور الجيش في العمليات الارهابية.

 لم تناقش الصحف العربية استعمال الفرنسية في الفيلم. فتقول الصحفية هند أن التمويل الفرنسي فرض على المخرج استعمال الفرنسية و في حوار مع صحراوي بررت استعمالها للفرنسية و الدارجة علةى انها خصوصية جزائرية[20].  أما الصحفي ياسين أيدير فقد أن استعمال %80 من الحوار كانت بافرنسية مما أفقد النص أصالته[21]. فيضيف أن السرد فقد مصداقيته عندما ظهرت خديجة و أمال تمشيان بدون خوف من الارهاب و خاصة عندما بدأت خديجة في تدخين سيجارتها في الشارع بحرية تامة و أيضا عندما هددّت أمال رجلا ببندقيتها في مقهى عام. فالتدخين قوبل بالنقد على أنه ليس من العادات و التقاليد كما انه ليس محررا للمرأة. فعوض أن يناقش الموضوع الاهم, اقتصر النقد ضد تدخين المرأة في الشارع.

غير أنّ الملاحظ هو ابداع مزج صورة المسيرة مع الصوت ليعطينا صورا من الطبيعة التي تحتوي على البحر و الجبال و الطرقات الجبلية و هذا التناقض بين جمال الطبيعة وعنف الأحدات يعبر عنه بموسيقى عود علآ , الموسيقي الجزائري الذي تمّ اكتشافه في السبعينيات عندما أذاعت التلفزة  الجزائرية موسيقاه.  أكشف علآ موسيقى هجينة تجمع بين الموسيقى العربية و الافريقية فهو ما يسمي بالفوندو الذي يعبر عن مآسي الفقراء و استعملت في الفيلم لتعبر عن أوقات الشك و القلل عند خديجة وأمال.  أما بالنسبة للغة التي تستعملانها خلال مشيهن في الغابة فهي مزيج من الفرنسية و الدارجة مما يعطيهما نوع من الحرية في الكلام و يجعلهما تتحملان العنف الذي تتلقاه من الارهابيين. فمونيكا هيلر[22] تقول أن مزيج اللغات يضفي صبعة تسلسلية طبيعية في الكلام عند المشي.  وهنا سأركز على كيفية استعمال الانتقال بين اللغات ومزيجها و علاقات القوة في الفيلم و كيف يمتد ذلك مع أجيال مختلفة مثلا بين أمال التي درست طبيبة في فترة ما بعد الاستقلال و خديجة التي عاشت فترة الاستعمار و الاستقلال معا وتتكلم الفرنسية والدارجة. يساعد الانتقال بين اللغات أمال, في مشهد يجمعها مع  خديجة وهما تمشيان, أن تستعمل كلمة “بريكولاج” و هي كلمة فرنسية لتنتقد جيل خديجة على أنه كان يفتقد الى الجدية الصارمة. لكن خديجة ترد عنها قائلة أنه لولا جيل البريكولاج لبقيت أمال و جيلها يمسحون أحذية المستعمر.  غير أنّ أمال تتذكر الارهاب و ما آلت إليه الجزائر قد يجعلها تفضل أن تكون تابعة لفرنسا, ثم تصف الوضع كالاختيار بين الكوليرا والوباء. هناك مشهد أخر أين تظهر خديجة تتحدث بالدارجة و الفرنسية مع بعض بطلاقة حين تصف العلاقة الجندرية الملغمة بالاصولية. فتذكر خديجة أمال بجارها الذي لا ينظر في عينيها مباشرة. هو يعتبر أمال “عريانة” أي عارية  لآنها غير محجبة مما يظهر صورة مزدوجة عن جسد المرأة.  و هذا ما كتبت عنه آن ايمانويل برجر عن دراسة قامت بها عن طالبات جزائريات فوجدت أن جسد المرأة معبر عنه فقط بكلمتين “عارية” أو “محجبة”.[23] فتقول بالنسبة للطالبات “اللباس الاسلامي هو بمثابة محدد للتشابه أو الفرق بين النساء[24]“. و ما ريبة خديجة من نظرات جار أمال الميكانيكي الاّ تعبير عن علاقة خديجة السابقة برفاقها الرجال. فالجار يضع نفسه موضع الواعض غير أن كلمة “مجاهدة” تحمل قدسية معينة ترتبط بفكرة الجهاد في سبيل الله. أمّا استعمال خديجة للحايك فهو لـاكيد فكرتها أنه استعمل من أجل اخفاءهن و ليس بالضرورة هو الذي يضمن الاخلاق. الحايك يرمز للنضال ضد المستعمر فكما يقول فرانس فانون[25] أنّ النساء قاومن المستعمر و لكن ليس كل الجزائريات يقبلن الحايك كلباس لائق و تقليدي. و يضيف برجير أنّ النساء اللواتي يلبسن الحجاب لا يعتبرن أنّ الحايك يرمز لفترة ما قبل الاستعمار وللوجود العثماني[26]. فتعتبر المحجبات أنهن يتقتدين عند إرتدائهن الحجاب أكثر بالأصالة الاسلامية القادمة من الشرق الأوسط و ليست لها علاقة بجزائر ما قبل الاستعمار[27].  و يشير الفيلم أنّ الرهاب لا يقتصر على الاسلاميين المتشددين فقط بل يتعداه الى “المجاهدين” و الناس البسطاء مثل الميكانيكي. و هذه المقاربة نجدها في فيلم رشيدة كذلك. فكان من بينهم مراهقيين يلبسون الزي الغربي و لا يظهر عنهم أنهم يدركون ما يقومون به كما لا يبدو أن ايديولوجيتهم واضحة. أما بالنسبة للغة, فهم لا يستعملون الفصحى, بل الدارجة. وبالتالي فيكون من الخطأ الزجّ بالعراك التقليدي بين الفرنكوفونيين العلمانين والمعربيين الاسلاميين لتفسير فترة العشرية السوداء. فالفيلم يطرح فكرة ازدواجية اللغة في الجزائر ويعتبرها خاصية جزائرية قادرة على التعامل مع الايديولوجيات. فالانتقال بين اللغات يوضح اختلافات اجتماعية سياسية, غير أننا نجد أنّ سبب اختفاء زوج أمال هو كتابته بالفرنسية, فهي تسأل كيف يدينونهم و هم لا يعرفون الفرنسية؟

 أصبحت رمزية اللغة الفرنسية من بين الثيمات المتكررة في الخطاب الاسلامي حتى قبل ما يبدأ العنف. يقول جيل كيبل أنّ علي بلحاج واحد من مؤسسي الجبهة الاسلامية للأنقاذ كان يريد الغاء وجود الفرنسية فكريا و ايديولوجيا وأنه يجد في الدولة “هوية غربية”[28]. فزوج أمال ينتمي الى الجبهة المعارضة للاسلاميين لآنه صحفي فرنكوفوني, رغم أننا لا نعلم محتوى مقاله, فهو ينتمي الى فئة الفرنكوفونيين الذين يحاربون الاسلاميين.  فيقول الهواري عدي[29] أنّ المثقفين الفرنكوفونيين ينتقدون التركيبة التقليدية للمجتمع  في حين أنّ المعربيين ينتقدون الدولة وبدرجة أقل المجتمع فيحاولون خلع الجذور الغربية من الساحات الثقافية والسياسية.  ويضيف عدّي أنّ مشاركة الفرنكوفونيين في الحياة السياسية لم تجن لهم سوى الانفصال عن مجتمعاتهم[30]. ففي العشرية السوداء, في الفترة التي كان يقتل فيها المثقفون الفرنكوفونيون لم تشهد البلاد غضبا عارما في أوساط المواطنين العاديين ممّا يؤكد قلّة تأثير المثقف الفرنكفوني على الحياة العامة.[31]

 يعتبر فيلم بركاتتكملة لعملها السابق الذي تتطرق فيه الى وضعية المرأة الجزائرية. فهي تطرح إشكالية المثقف الجزائري وعلاقته مع مجتمعه وعلاقته مع المرأة. فتظهر هذه الأخيرة أنها الوحيدة التي تقاتل وتناضل من أجل رفع الضيم. و لكن لا يجب أن نعممّ هذه المقولة حتى لا نتصور أن باستطاعة كل النساء مقاومة الاسلاميين بل تقتصر هذه المهمة على اللواتي يتمتعن بالحرية مثل خديجة و أمال. و هذا لا يعني أنهما متفقتان كليا في المواضيع التي تتعلق بالوطنية و الدولة واللغة.

  3. حريم مدام عثمان , الفرنسية و السلطة: هل من رابط “طبيعي”؟

يعتبر فيلم “حريم مدام عثمان” هو أول عمل سينمائي طويل لنذير مقناش (ولد في 1965) والذي لُقب “بمخرج النّساء” و”المودوفار الجزائري” لأنه يتعمّد التركيز وتسليط الانتباه على وضع المرأة الجزائريّة. وتركز القصة على الجزائر في 1992، ولعبت دور المدام عثمان الممثلة الإسبانية كارمن مورا ويتحدث الدور عن مجاهدة قديمة والتي كانت تسعى للحفاظ على سمعة منزلها الذي تؤجره. وتقول مورا أنّ ذاكرتها عن شدة شخصية أمها في عهد ديكتاتورية فرانكو في اسبانيا هم ما ساعدها في تمثيل و اتقان شخصية مدام عثمان. وقد شارك في التمثيل نخبة من الفنانين المعروفين أمثال الممثلة بيونة التي شاركت في مسلسل الحريق المستوحى من رواية محمّد ديب في1974.

ويصور الفيلم النّساء وراء أبواب مغلقة، ويستخدم مقناش المساحة بشكلٍ مميزٍ، حيث يقوم بحصر كل أبطال القصة في مواقع محددةٍ فقط، ضمن مساحةٍ محدودة. بينما تعيش النسوة تحت حظر تجولٍ، ومراقبة المدام عثمان. تهرب سكينة (ابنة مدام عثمان) مع ياسمين وهي إحدى المستأجرات من أجل التنفيس عن إحباطهم بعد الضغوطات التي حدثت خلال عرسٍ حضرت فيه كل نساء المنزل، التقت مدام عثمان في العرس بوالدة خطيب سكينة وألغت الخطوبة لأن والدته من مرتبة اجتماعية أقل منهم. ياسمين الجزائريّة المولودة بفرنسا اكتشفت خلال العرس أن زوجها لديه زوجة ثانية وابن. وفي آخر الفيلم تموت سكينة مقتولة بطلقة نارية في حاجزٍ أمنيٍ وهميٍ أقامه الإرهاب، لكن والدتها مقتنعة أنها ماتت مقتولة بطلقةٍ ناريةٍ من طرف الجيش عند حاجزٍ أمنيٍ. ويقوم زوج مدام عثمان الذي رحل لفرنسا بالعودة لدفن ابنته.

عند تحليل المشهد الأخير تتضح العلاقة بين الجنس واللغة والعنف، حيث يُحضر ضباط الجيش نعش سكينة للمنزل؛ صُورت اللقطة خارج المنزل حيث وضع النعش على الأرض. سطعت الشمس جنباً إلى جنبٍ مع الموقف المأساوي. سأل أحد الضباط ما إذا كان هذا منزل بوشامة (بوشامة زوج مدام عثمان) فأجابته الخادمة :”لا هذا منزل عثمان”. يقرأ الضابط بيان وفاة سكينة، بينما تُعرض لقطة متوسطة الطول للشخصياًت؛ حيث يقف سكان المنزل مجتمعين في جهة قرب الباب بينما يقف زوج مدام في الجهة المقابلة على جانب الطريق مع ضباط الجيش مما يدل على أنه يقف بجانبهم. ويتأكد ذلك عندما يوقّع زوج مدام عثمان وثيقة وفاة ابنته والذي يثبت صحة جانب الضباط من القصة بأن الإرهاب هو من قتلها. تنفي المدام عثمان هذه القصة وتتهم زوجها بالجبن. لمحت مدام عثمان إلى أن الجيش لديه القوة لتلفيق القصة لمصلحتهم والتي يؤيدها زوجها. اللقطة الوحيدة والتي تحدثنا عنها قبلا كانت اللقطة الوحيدة المقربة التي أعطى فيها مقناش الأهمية للحضور الرجالي. أما في اللقطات التالية يتم إهمال الرجال وتتراجع أدوارهم حتى يخرجوا من الشاشة ويهمشوا. تقرر مدام عثمان أن تعيد فتح نعش ابنتها لكن مسؤولي الولاية لا يسمحون لها بذلك، فتهددهم بمسدسها. اللقطة تم تصويرها باللغة الفرنسية:”أنتم حمير” ثم تطلق طلقة من مسدسها في الهواء.

تستعمل مدام عثمان في المشهد الأخيراللغة وهنا الفرنسية لتفرض سيطرتهابلاضافة للطلقة النارية الي أطلقتها في الهواء.  فيعطي مقناش الحرية المطلقة لمدام عثمان خارج بيتها فهي يستقطب مستأجريها لصالحها كما تستذكر صفتها كمجاهدة بالطريقة التي لا يتوقعها أحد. فاستعمالها للفرنسية و السلاح لم يكونا في الحسبان و هما من مخلفات الحقبة الكولونيالية و تستعملها كطريقة لتحرير نفسها من كليهما و من السلطات الجزائرية وكذلك من إملاءات زوجها. أما من ناحية العربية فقد يخلو الفيلم منها و يستعمل الفرنسية كلغة معروفة, لغة تربط الحاضر بالماضي الكولونيالي.

الخاتمة؛ ماذا فعلت امهاتنا؟

حللّت الأفلام الثلاثة في هذا المقال الذي يطرح مختلف التجارب، التصورات والشخصياًت الذين لهم علاقة بظروف المرأة خلال العشرية السوداء في كيفية تعاملها وتحملها للعنف. صرحت الباحثة في اللسانيات الاجتماعية ريم بسيوني أنه في وقت النزاع اللغوي أن الإيديولوجيات تستعمل كسياسة، ودين أو حتى كأسلحة اجتماعية.

وينطبق تعليق “بسيوني” على دراسة هذه الأفلام: إن إستعمال اللغة يجلب معه انطباعات  ايديولوجية لها علاقة بالعشرية السوداء. يضع عدم استعمال الفصحى في الأفلام المختارة علامة ايديولوجية مميزة. فابتعدت الأفلام المختارة عن اللغة الرسيمية و عن الخطاب الرسمي بل اضافت خطابا و لغة بديلة تمزج و تنتقل بين الفرنسية و الدارجة بطريقة تجعل التكلم عن المرأة و عن العنف يبدو مغايرا.

يُمثل استعمال الفرنسية نوعا من ممارسة السلطة ونوعا من التمرد والتحرر من سلطة الدولة الأبوية. أما الدارجة فتضفي يتصرفن حسب الضروف التي يعشن فيها. في حريم مدام عثمان أستعملت الفرنسية لفرض سلطة مدام عثمان و غياب العربية كان أيضا عن قصد.  فالفرنسية مرتبطة مستوى اجتماعي عالي و نوع من الليبيرالية على الطريقة الغربية.  غير أن الاستعمال الوحيد للفرنسية يجعل هناك نوع من الطابع والحاجزالثقافي و الايديولوجي الذي تستعمله مدام عثمان لتقيم الجزائر على نحو اللغة و الطبقية الاجتماعية.  في الأخير تكتشف مدام عثمان الخطاب الرسمي فترفضه عندما يتعلق بقضية وفاة ابنتها.

إرتكزت اللغة الدارجة في الفيلم على الأصالة  على واقعية الأحداث. غيرأنّ رشيدة منعتمن تأكيد سلطتها من خلال الدارجة.  فقد سمحت لها من تأكيد هويتها وانتمائها للوطن أي جزائريتها. أما عن مزج اللغتين مع بعض فولد لغة جديدة و أعطى نظرة لسانية باستطاعتها تحمل إختلاف الايديولوجيات و اختلاف الطبقات الاجتماعية.  بنفس المنطق الذي اتبعه مقناش الذي اعتبر الفرنسية لغة جزائرية.

تحاول الأفلام الثلاثة بناء صورة للمرأة الجزائرية التي وقفت ضد الاسلاميين , صورة قبل هذه الأفلام, دأب الاعلام الفرنسي على نشرها.  فقد نشرت العديد من الكتب في فرنسا تعالج قضية المرأة والعنف  خاصة في فترة العشرية السوداء و تبرز دور المرأة في المواجهة. تظهر الأفلام نقد النساء لردّ فعل السلطة و تركز على فكرة أن النساء والاسلاميين يمشيان في اتجاهات معاكسة مع التحفض انه في بعض الأحيانلا تكون الأمور واضحة تماما بل تكون معقدة[32].  تقول فريال لعلامي فاتس ان خلال تصدي الجمعيات النسائية للاسلاميين,  وقعت تحت ابتزاز السلطة مما جعلها تبتعد عن مبادئها و أصبحت أقل نقد للسلطة[33].   ما لا تعترف به هذه الأفلام هو وجود نساء ينتمين و يؤيدن الأفكار الاسلامية الأ في فيلم رشيدة أين تظهر زميلتها تنتمي و تدافع عن الاسلاميين.

تتساءل الأفلام الثلاثة عن مستقبل الجزائر و عن ما تستركه الأمهات للبنات؟  في حريم مدام عثمان تموت الابنة و هذا يمثل بداية للآزمات و الترجيدا التي ستمر بالجزائر و بالتالي يقترح الفيلم نهاية كئيبة و حزينة لمستقبل الجزائر.  أما رشيدة فتستعيد شخصيتها و هويتها و يستفيد من تجارب والدتها رغم التهميش الذي تتعرض له و تبني عليها مستقبلا. أما في فيلم بركات تبقى صورة الأم حاضرة و هي التي ستكمل المعركة و ستلهم ابنتها أمال التي تمثل الجيل الجديد الذي سيستفيد من خبرة و حكمة و تجارب الذين سبقوهم.

[1] Benjamin Stora, La Guerre invisible: Algérie, années 90 (Paris: Presses de Sciences Po: 2001), 7.

[2] Abdelkader Cheref, ‘Engendering or Endangering Politics in Algeria? Salima Ghezali, Louisa Hanoune, and Khalida Messaoudi’, Journal of Middle East Women’s Studies, 2 (2006), 60-85 (p. 68).

[3] Mohamed Benrabah, Language Conflict in Algeria: From colonialism to post-independence (Bristol: Multilingual Matters, 2013), p. 383.

[4] Catherine Miller, ‘Linguistic Policies and the Issue of Ethno-Linguistic Minorities in the Middle East’, in Islam in the Middle East Studies: Muslims and Minorities, ed. by Akira, Usuki and Hiroshi Kato (Osaka: National Museum of Ethnology, 2003), pp. 149–174 (p.150).

[5] Both films were popular successes upon their release in Algeria, particularly Omar Gatlato since it described the everyday life of a group of young men, and the film used the specific dialect of Algiers. Omar Gatlato attracted over a million of viewers in 1976. Director Lahkhdar Hamina won the Cannes film festival in 1975 and his second feature received international awards.

[6] During the black decade the Casbah of Algiers was the place of many terrorist attacks but also the place where Islamists were hiding. This is reminiscent of the anti-colonial struggle when the combatants hid in the Casbah, especially during the ‘Battle of Algiers’.

[7] <http://www.euromedcafe.org/interview.asp?lang=ing&documentID=696 > [accessed 12 December 2014], < http://ar.qantara.de/content/mqbl-m-lmkhrj-ymyn-bshyr-shwykh-lkl-tryqth-lkhs-fy-ltml-m-lkhsr-wlhzn> [accessed 12 December 2014].

[8] Olivier Barlet, ‘Interview with Yamina Bachir-Chouikh’, Africultures, 26 September 2002, <http://www.africultures.com/php/index.php?nav=article&no=5607#sthash.UGA9WMCm.dpuf> [accessed 12 December 2014].

[9] Yacine Idjer, ‘Cinémathèque  Rachida, un autre regard sur le film’, Info Soir, 05 August 2003 ‎‎http://www.djazairess.com/fr/infosoir/1751 [accessed 25 January 2015]‎

[10] Alger la Blanche is the name given to Algiers for the white colour of the buildings of the Casbah––the Muslim quarter of Algiers under French colonial rule.

[11] Susan Slyomovics, ‘”Hassiba Ben Bouali, If You Could See Our Algeria”: Women and Public Space in Algeria’, Middle East Report, 92 (1995), 8-13 (p. 10).

[12] Rod Skilbeck, ‘The Shroud Over Algeria: Femicide, Islamism and the Hijab’, Journal of Arabic, Islamic and Middle Eastern Studies, 2(1995), 43-54 <https://www.library. cornell.edu/colldev/mideast /shroud.htm> [accessed 25 January 2015].

[13] Yasmine Ben, ‘Bahia Rachedi, Elle fera le rituel de la Omra, portera le voile et se consacrera à ‎l’humanitaire’, Le Maghreb, 02 July 2011.‎

[14] James Bennett, ‘The Television Personality System: Televisual Stardom Revisited after Film Theory’, Screen, 1 (2008), 32-50 (p. 35).

[15] Ibid., p. 35.

[16] Benrabah, p. 147.

[17] maquis designates the French word for the bush, as utilized by underground or guerilla fighters. During the Algerian war the fighters used to hide in the maquis where military camps were established. The technique was adopted by the Islamic armed factions.

[18] See articles of Hind O, ‘Deux femmes dans la tourmente. Projection de Barakat! de Djamila Sahraoui à El Mougar’, L’Expression, 11 November 2006, Yasmine Ben, ‘Une légèreté à vous couper le souffle! Sortie de Barakat! de Djamila Sahraoui’, Le Maghreb, 14 November 2006 http: //www.djazairess.com /fr/lemaghreb/173> [accessed 02 February 2015].

[19] Zahia Mancer, ‘Al Mahzila tataoucel Number One al yaoum bil Jazair wa Barakat! youtouaj bi dhahb fi Dubai’ (‘The farce continues: Number One today in Algeria, and Barakat! crowned with gold in Dubai’, Achourouk , 18 December 2006 <http://www.echoroukonline.com/ara/?news=9900> [accessed 02 February 2015].

[20] Walid Mebarek, ‘Djamila Sahraoui. Réalisatrice de Barakat: ‘Les choses ressortent’’, El Watan, 15 November 2006.

[21] Yacine Idjer, ‘Cinéma  «Barakat» en avant-première: deux femmes chez les terroristes’, Info Soir, 10 November 2006< http://www.djazairess.com/fr/infosoir/55698> [accessed 05 February 2015].

[22] Monica Heller, Code switching: Anthropological and Sociolinguistic Perspectives (New York, London, Berlin: Mouton de Gruyter: 1988), p. 8.

[23] Anne-Emmanuelle Berger, ‘The Newly Veiled Woman: Irigaray, Specularity, and the Islamic Veil’, Diacritics, 1 (1998), 93-119 (p. 106). Berger makes use in her article of Djamila Saadi’s work : ‘Des Femmes à mots voilés’, Penser l’Algérie Intersignes, 10 (1995), 169-80.

[24] Ibid.,  p. 106.‎

[25] Frantz Fanon, ‘L’Algérie se dévoile’, L’an V de la révolution algérienne (Paris: Maspéro, 1960). For a complete analysis of Fanon’s discussion of the haïk, see Berger, pp.106-109.

[26] Berger, p. 106.

[27] Ibid.

[28] Gilles, Kepel, ‘Islamism and the State in Algeria and Egypt’, Daedelus, 124 (1995), 109-127.

[29] Lahouari Addi, ‘Les Intellectuels qu’on assassine’, Esprit, 208 (1995), 130-138 (p. 131).

[30] Ibid.

[31] Ibid, p. 137.

[32] Constance N. Stadler, ‘Democratisation Reconsidered: the Transformation of Political Culture in Algeria’, The Journal of North African Studies, 3 (1998), 25-45 (p. 34).

[33] Fériel Lalami-Fatès, ‘Les Associations de femmes algériennes face à la menace islamiste’, Esprit, 208 (1995), 126-129 (p. 127).

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here