– كريمة بنون
كان اسلافنا سيقتلون كل اولئك النساء : معاني الإغتصاب الجهادي في الجزائر في التسعينات

0
562
دوني مارتيناز: فنان جزائري

كريمة بنون –

كان اسلافنا سيقتلون كل اولئك النساء : معاني الإغتصاب الجهادي في الجزائر في التسعينات

English | Français

مصطفى بن فضيل: عمل تركيبي “مابرتاليش” لآ أهمية

كانت ليالي مملوءة بصراخ كل تلك العذارى البائسات

و على أجساد الصبايا شظايا النوم التعس

بعدما قاموا بعضهن و جلدهن و سلخهن وأكلهن و تدنيس شرفهن

و إغتصابهنّ

و قتلهن

غابة من اللحى تحيط بهنّ

لحى بربرية

لحى قاحلة

لحم حلال

من كل قطعة من أنوثتي يخرج لقيط

و من كل شوق ديني شيء دنيء 

مصطفى بن فضيل

“إنّ إستهداف أجساد النّساء وتحويلها إلى ساحة من ساحات القتال يجعل من الواضح أن الجندر في صلب قضية الإرهاب الإسلامي وإستخدام العنف الجسدي ضدهنّ ليس إلا وسيلةً للسيطرة على المرأة وإرهاب المجتمع”.

زاهية اسماعيل صالحي

“كيف يمكننا أن نتصرف وكأن أحداث التسعينيات لم تحدث؟”

  شريفة بو عطة

مقدمة: أصداء العشرية السوداء

لقد أصبح القانون الدولي يصنف جرائم الإغتصاب والإعتداءالجنسي في النزاعات المسلحة كأحد أخطر أنواع الجرائم، كتلك التي حدثت في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي على أيدي مجموعات مسلحة خارجة عن سيطرة الحكومة. وكما لوحظ من قبل مبعوثي الأمم المتحدة الخاصين المتعاقبين والمعنيين بالتعذيب، فإن هذه المعاملة تعتبر شكلاً من أشكال التعذيب وهو ما يعتبرمن القواعد المتعارف عليها (jus cogens) من انتهاك للأعراف الدولية على أعلى مستوى.  وكما أكد قرار مجلس الأمن رقم 2016، فقد يمكن أن تعتبر جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو حتى إبادة جماعية.  وفي كثير من الأحيان، كما في الحالة الجزائريّة في التسعينيات، تترافق هذا الإنتهاكات مع عدد من الجرائم كالزواج القسري والحمل القسري والعبودية الجنسيّة الممنهجة.

وبالإضافة إلى التطورات الإيجابية في فهمنا لهذه الممارسات الشائعة، حدثت أيضاً بعض التطورات الإجرائية لمكافحة جرائم الإغتصاب زمن الحروب. فعلى سبيل المثال، بينما فشلت المحاكم الدولية تاريخياً بمناصرة الضحايا من النّساء بشكل شبه كامل نجد بمحاكمة حالات من الإعتداء الجنسي في النزاعات المسلحة في حالات خاصة ببعض البلدان (إلا أنه ومع الأسف لا زالت القضايا الناتجة عن الأزمة الجزائريّة في التسعينيات بعيدة عن إجراءات هذه المحاكم). ولكن على الرغم من المحاكمات الدولية التي حدثت فإن العنف الجنسي فى الصّراعات المسلحة فى مناطق كثيرة من العالم والتي يرتكبها جناة ذكور من جنسيات وإيديولوجيات وأديان مختلفة يبقى ظاهرة منتشرة وبشكل كارثي وتبقى، كما في الجزائر، الحصانة والسكوت  القاعدة وليست الإستثناء.

وتعتبر جماعات الجهاديين المعاصرين المسلحة من بين مرتكبي جرائم الإغتصاب والإستعباد الجنسي على نحو مُمنهج واسع الإنتشار في مناطق النزاعات المُسلحة حول العالم.  ويشكل هؤلاء الجهاديون المتواجدون في العديد من الدول من نيجريا إلى العراق امتداداً عقائدياً لأولئك الذين أرهبوا الجزائر خلال التسعينيات.  ويقوم هؤلاء في كثير من الأحيان بعملياًت اختطاف جماعية للنساء والفتيات خلال قتالهم من أجل ما يسمونه “الدولة الإسلامية”. وفي حين يشدد هؤلاء على أن المرأة يجب أن تبقى طاهرة ونقية، إلا أنهم يمارسون أفعال الإغتصاب الجماعي ضدهنّ. وقد بدأ الإهتمام بهذه الظاهرة على نطاق دولي واسع لأول مرة إثر قيام حركة بوكو حرام باختطاف 276 فتاة في بلدة تشيبوك في شمال نيجريا في ربيع العام 2014.

وقد أعلنت حركة بوكو حرام صراحة مسؤوليتها عن هذا الفعل حيث صرح قائد الحركة أبو بكر شيكاو مبتسماً : لقد اختطفت بناتكم” وذلك في مقطع مصور تم تداوله بعد فترة وجيزة من عملية الاختطاف حيث أضاف “والله لأبيعهن في السوق”. وعلى فظاعة هذه الأحداث فإنها لم تكن مفاجاةعلى الإطلاق لأي شخص تابع عن كثب أحداث الجزائرفي التسعينات، فقد كانت هذه الأفعال مألوفة على الرغم من الخوف الذي كانت تنشره.

فى السنوات الاولى مما بات يعرف “بالعشرية السوداء” في الجزائر فى الفترة من 1993 إلى 1997، تمّ اختطاف الآلاف من النّساء من قبل الجماعات الأصولية المسلحة غير الحكومية والتي كانت تحارب الدولة الجزائريّة. وقد تمّ الإبلاغ رسمياً عن 5000 حالة اغتصاب لنساء من قبل هذه الجماعات بين عامي 1993 و1997. هذا ويرى بعض الخبراء بهذا الشأن من أمثال الصحفية سليمة تلمساني أنّ الرقم الحقيقي أكبر من ذلك. إلا إن وصمة العار المرتبطة بالإغتصاب في الجزائر فضلاً عن انتشار مناخ االإفلات من العقاب على الإنتهاكات التي ارتكبت خلال التسعينيات أدياً إلى أن عدداً قليلاً من الضحايا يتحدثن علناً عن تجاربهنّ.

ومن المؤسف أن عدداً قليلاً جداً من المراقبين الدوليين تابع هذه الأحداث عن قرب، سواءً وقت حدوثها أو منذ ذلك الحين. وليس هناك من سجل يذكر لتوثيق هذه الجرائم ضد الإنسانية باللغة الإنجليزية. وليس هناك جهود لتوثيق هذا الفصل من الفضائع التي ارتكبت في فترة التسعينيات باستثناء جهود بعض جماعات حقوق المراة في الجزائروبعض النّساء الناشطات في حقوق الإنسان (WHRDs) وعدد قليل من الصحافيين والصحافيات الجزائريين. وحتى جماعات حقوق الإنسان الدولية الكبيرة لم تقم بذلك، فلم تقم أي من تلك المنظمات بنشر أي تقرير حول هذا الموضوع باللغة الإنجليزية. وهذا يعنى ان تاريخ هذه الفظائع قد اختفى محلياً ودولياً، ويخشى أن يتمّ استبعاد هذا الموضوع تماماً من أحداث التسعينيات مما يشكل ظلماً للضحايا وكذلك لأولئك اللواتي يتعرضنَ لأعمال عنف مماثلة في هذه الأيام.

نحتاج إلى توثيق هذه المرحلة طلباً للعدالة والإقرار بما حدث كما نحتاج أيضاُ لتعلّم الدروس من تجارب النّساء الجزائريات اللواتي تعرضنَ للاغتصاب من قبل الجهاديين في فترة التسعينيات وذلك لدرء خطر التعرض لانتهاكات مماثلة في وقتنا الحالي. وسعياً لذلك، يهدف هذا المقال، بناءً على بحوث ميدانية أجريت فى الجزائر، للعمل على سدّ هذه الفجوة فى السجلات التاريخية من خلال توفير أعمال الخبراء الجزائريين بهذا الشأن باللغة الإنجليزية. حيث سيشمل العمل توثيق هذه الفظائع والقيام بتفسيرها لشرح معنى الإغتصاب الذي تلجاً إليه المجموعات الجهادية هذه الأيام.

I.     “له الحق في كل مايريد من النّساء”: 

تاريخ الإغتصاب الجماعي الذي ارتكبه الجهادييون في الجزائر في تسعينيات القرن العشرين

قامت الجماعات الأصولية المسلحة خلال “العشرية السوداء” بإرهاب الأغلبية المسلمة من الجزائريين للاستيلاء على السلطة وفرض تصورهم عن ” دولة إسلامية” بلا رحمة.  وقد يتراوح عدد من قتله الجهادييون في العملية مابين 100000 و200000 شخص، حيث أعلنوا عن الكثير من جرائمهم. وقد قال أبو المنذر قائد الجماعة الإسلامية المسلحة في صحيفة المجموعة الدولية “عندما تسمع عن قتل وقطع للأعناق في قرية أو بلدة فيجب أن تعلم … بأن ذلك يعد تطبيقا لبيان المجموعة والذي يأمر(نا) أن نقوم بعمل الخير ونقارع الشر.” وأكد للقراء بأنّ رجاله قتلوا “من يستحق الموت”. لاشك أن الدولة الجزائريّة أيضا قد لطخت أيديها بالدماء في أحداث التسعينيات من خلال انتهاكات تشمل الإعدام خارج نطاق القضاء، حوالي 8000 من حالات الاختفاء القسري والتعذيب، إلا أن الفظائع التي ارتكبها معارضوها المسلحين حسب توصيف القانون الجنائي الدولي لايمكن تصورها وحدثت على نطاق واسع وممنهج وشكلت الجزء الأكبر من أعمال العنف التي جرت في البلاد خلال “العقد المظلم”.

وقد أشار مقرر الأمم المتحدة المعني بمسألة العنف ضد المرأة عام 1998 بأنه من المسلّم به أن بعض النّساء كانوا من بين ضحايا الدولة أيضاً، إلا أن عددهن كان أقل بكثير من عدد اللواتي تعرضنَ للعنف الممنهج على يد الأصوليين.  رغم أن كلا من الرجل والمراة كانا هدفاً لانتهاكات الجانبين المذنبين فيما يتعلق بارتكاب خروقات حقوق الانسان، إلا أن المعارضة الإسلامية المسلحة تعاملت بقسوة شديدة على وجه الخصوص مع النّساء اللاتي لا يمتثلن لاملاءاتها الصارمة، كالنّساء غير المحجبات، والنّساء العاملات، والنّساء المستقلات غير المتزوجات اللاتى يعشن بمفردهن. كما تورطت المعارضة الإسلامية المسلحة في حالات الزواج القسري وغير ذلك من أشكال اختطاف النّساء اللاتي يعشن فى المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

وفيما يتعلق بعملياًت الاختطاف التى ذكرها المقرر الخاص، فإن النّساء اللاتي اختطفتهن الجماعات الإسلامية المسلحة فى الجزائر خلال العقد المظلم كان يعثر عليهن فى معظم الأحيان في وقت لاحق مقتولات – عادة إما مذبوحات أو بأجساد مقطعة. أما أولئك النّساء المختطفات اللاتي نجون من الموت كنّ يعتبرن بمثابة “سبايا” أي كجزء من غنائم الحرب، وتتعرضنَ للاستعباد والاسترقاق الجنسى. (فى بعض الاحيان كنّ يستخدمن دروعاً بشرية من قبل الإرهابيين الهاربين من قوات الأمن التابعة للدولة). وقد كانت السبايا توزع كباقى غنائم الحرب، بحيث تغتصب السبايا الأكثر جاذبية من الأمير أو قائد المجموعة المسلحة أولا قبل أن تنتقل ليتمّ اغتصابها من رجال آخرين قد يصل عددهم إلى خمسين أو أكثر.

وأضاف أنّ مثل هذه الممارسات لم تكن من قبيل الصدفة بل نتيجة لاستراتيجية واضحة ومنظّمة.  كانت عملياًت الإغتصاب “منهجية ومدروسة ولها ما يبررها [بمعنى أن مرتكبى هذه العملياًت وجماعاتهم المسلحة كانت لديهم حجج مدروسة ومفصلة لتبرير تلك الممارسات.” على سبيل المثال، نُقل عن قائد الجماعة الإسلامية المسلحة عنتر زوابرى بأنه كان قد أمر رجاله “باعتقال أنصار الطغاة فى قراهم والقضاء عليهم وتدمير حقولهم والقبض على نسائهم ومصادرة ممتلكاتهم.” وكان هذا كله يعتبر “قربانا لله”. وللمفارقة المأساوية، فإن النّساء الناجيات من عملياًت الإغتصاب الجماعي تلك وهن بمعظمهن مسلمات، ذكرن في كثير من المرات أنهن كن يستخدمن الحُجج الدّينية لمحاولة إقناع مغتصبيهن بالتوقف عن أفعالهم ولكن دون جدوى. كمّا  ورد على لسان عائشة، إحدى الضحايا، والتي اختطفت بعد مجزرة فى بلدة البليدة في المنطقة التى كانت معروفة آنذاك باسم “مثلث الموت”، بأنه عندما جاء “الأمير” ليغتصبها “توسلتُ إليه وأخبرته بأن ما يفعله خطيئة، إلاّ أنه دفعني بعنف على الأرض، وأخبرنى أنه مجاهد [مقاتل مقدس] وله الحق في كل ما يريد من النّساء”.

 وقد شهدت الفترة بين العامين 1994 و1995 بالإضافة إلى العام 1997 أسوأ الاعتداءات على المرأة. السجل التوثيقي لأحداث التسعينيات موجود بصورة عامة داخل الجزائر نفسها، ويتألف من بعض الإحصاءات الرسمية التى تمّ الاعلان عنها، وعمل مجموعة النّساء المُدافعات عن حقوق الانسان في الجزائر الذي استكمل في تسعينيات القرن العشرين أو بعد ذلك بقليل، وشهادات صحفيين – وكلها غير مكتملة. ويبدو أن أول حالة اغتصاب حدثت خلال الصّراع تم تسجيلها في بلدة البويرة، وتقول الصحفية عبلة شريف “أن المفارقة في الأمر” أن الضحيّة كانت زوجة إمام كان يؤوي مجموعة من الرجال المسلحين، وهم أنفسهم قاموا فيما بعد باغتصاب جماعي لزوجته التي تم التعريف عنها باسم (باء – عقيلة).

وقد خاطرت العديد من الصحفيات الجزائريات بأنفسهن في محاولتهن تأريخ هذه القصص التي يصعب تصورها. وقد أجريت مقابلة صحفية مطولة مع الصحفية الجزائريّة التي تحمل الاسم المستعار سليمة تلمساني للحديث عن حالات الإغتصاب التي ارتكبها أفراد الجماعة الأصولية المسلحة، وذلك لقيامها في ذلك الوقت ببحث واسع النطاق حول هذا الموضوع، حيث وصفت تلمساني تأثير عملياًت الإغتصاب بقولها: “إن خطف الفتيات الصغيرات اللّاتي بالكاد دخلنَ مرحلة البلوغ واغتصابهنّ بشكل جماعي واسترقاقهن جنسياً وقتلهن في حال حملهن، ويالها من حالات موت مريع، يمكن أن يكتب عنها الكثير الكثير من الكتب ….”. فى كانون الثانى/يناير 1995، كتبت زازي سادو الناشطة فى ميدان حقوق المراة فى الصفحة الاولى من صحيفة “الوطن” الجزائريّة عن تلك الحالات التي – قدرتها حينها بالمئات – وهي حالات “خطف من شارع، أو على باب مدرسة، أو من محل، أو من أمام أهلهم … لتصبحن أسيرات الجماعات الإرهابية المسلحة وذلك لتقديم “أسباب الراحة للمحارب” لأشباه المجاهدين …”. وتورد الصحفية في مقالتها قصة فتاة تحمل الاسم المستعار – أواردة— وتبلغ من العمر 17 عاما، حيث تورد تفاصيل اختطافها من شارع في وسط العاصمة الجزائر تحت تهديد السكين ونقلها بعيداً خارج العاصمة حيث وضعت مع أكثر من 12 أمراًة أخرى وحرق فخذاها بالسجائر واغتصبها عدة أفراد من مجموعة جهادية مسلحة على الرغم من احتجاجها بأن “الله يدين هذا” مما أدى إلى نزفها بشكل شبه دائم، وتعرضت للاستعباد والاسترقاق الجنسي، وتم ترويعها لأشهر وأجبرت على مشاهدة عملياًت قتل لفتيات حاولن الفرار، وحرمت حتى من الماء الكافي للاغتسال، إلى أن تم انقاذها فيما بعد على أيدي بعض القرويين عند نقلها من معسكر لآخر. لم يكن تسجيل هذه الشهادات ونشرها تحت عناوين ثانوية أمراً سهلاً لسادو التي كانت بدورها  تحت التهديد الشديد من قبل الجماعات المسلحة فى ذلك الوقت. كل أولئك الصحفيات خاطرن بحياتهن لتسجيل ونشر هذه الشهادات.  سادو وتلمساني أخبرتاني أنه في ذلك الوقت كان عليهما أن تنتقلا بشكل مستمر من مكان إلى آخر وذلك لأسباب أمنية.

شريفة خضار، رئيسة الرابطة الجزائريّة لضحايا الإرهاب الإسلامي جزائرنا، عرّضت نفسها هي الأخرى لخطر جسيم لتساعد النّساء الناجيات والعائلات في قلب “مثلث الموت”، أخطر منطقة في البلاد خلال تلك السنوات.  وبناء عليه فقد سمعت أقوالا كثيرة عن مثل حالات الإغتصاب تلك. وقد شرحت في مقابلة مفصلة حول الموضوع تطور وأثر تلك الممارسات:

بدأ الموضوع بزواج الإرهابيين الذين كانوا يعيشون تحت الأرض بشكل عام من بنات وأخوات إرهابيين آخرين مثلهم. هذا حدث بينهم في بداية الأمر. في البدء، قدم بعض الفلاحين دعما مباشراً للإسلاميين وقبلوا إلى حد ما فكرة الزواج المؤقت، وعليه فقد قدم هؤلاء الرجال الذين كانوا من الفلاحين بشكل خاص بناتهم لأولئك الإرهابيين.  وتتابع فتروي قصة فتاتين قام أفراد عائلتهما من الذكور بتزويجهما بهذه الطريقة.  وحسب ماورد فقد عذبت الفتاتان وقتلتا مع أمهما في منطقة بيرتوته بعد أن رفضتا بدعم من أمهما الخنوع لهذا “الزواج”. وقد تم العثور على اشلائهما متناثرة على مساحة واسعة من الارض.  وحسب ماتقول خضار، بدأت الأسر فى وقت لاحق تفهم طبيعة الجماعات المسلحة وترفض تسليم بناتها لهم.  عندها “حدث الكثير من حالات خطف للفتيات وقتل لعائلاتهن.” وقد روت قصة رجل مبتور الأطراف قتله رجال مسلحون أتوا ليخطفوا كل بناته.  قيل أن الرجل سألهم قبل أن يقتلوه “لمإذا تقتلونني؟ فأنا لاأستطيع عمل شيء لإيقافكم.”فأجابوه أنه لايمكنهم أخذ بناته ليكونوا عبيداً لهم طالما بقي على قيد الحياة، فالبنات لايمكن أن يكونوا “حلالا” لهم طالما بقي هوعلى قيد الحياة.

ذبحوه أمام إبنه الذي كان مختبئأ.  في لحظة تمّ اغتيال الزوج وإغتيال الجدّة وتمّ إختطاف الفتيات. جنّت الأم وهي تبحث لسنوات طويلة عن بناتها اللاتي لم يعدنّ أبداً.

وفى حين أنّ معظم النّساء تعرضنَ للاختطاف أولاً ثم للاغتصاب، إلا أنّ أخريات تعرضنَ لللاعتداء وسط بيوتهنّ.  تروي خضراء قصة إمراًة أخفت ابنتها تحت السرير عندما دخل الإرهابيون منزلها: “و بدأوا باغتصابها كانت خائفة أن يقوموا باغتصاب ابنتها فكانت وبينما هي تغتصب تشير لابنتها بأن لاتتحرك وبأن تبقى مكانها، لقد اغتصبوها لساعات “.

لقد تعرضت آلاف الأُسر التي لايمكنا إحصاؤها لهذه النتائج المأساوية. وقد قدمت ( كوليكتيف 95 )، وهي مجموعة من أبرز المدافعين عن حقوق المرأة من جميع أنحاء المغرب تشكلت في الفترة التي سبقت إنعقاد مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الرابع المعني بالمرأة، تقريراً موثقا بشكل كبير في العام 1999 حيث يشير إلى أنه حتى تلك الفترة تعرضت 5000 أمراًة لهذه الممارسة. وقد أخبرتني سليمة تلمساني في عام 2010 أنها أشارت إلى 5000 حالة اغتصاب، ولكنّها اليوم تعتقد أن “العدد أكبر من ذلك بكثير”. إحدى النّساء وتدعى عائشة قالت أنه تم اغتصابها 50 مرة، فهي قد أحصت الاعتداءات بعناية حتى لاتنسى ابداً. وقد خلصت رابطة الراشدة بعد أن أوردت أرقاماً تتضمن 2000 ادعاءا رسميا لحالات اغتصاب و8000 حالة قدمت من مجموعات ضحايا الإرهاب إلى أنه من المؤكد اننا نتحدث عن ظاهرة من الصّعب للغاية ان نكون دقيقين حولها بسبب تحفظ المسؤولين في تقديم المعلومات ورفض الضحايا وعائلاتهم وخوفهم من التصريح علنا عن حالات الإغتصاب .  بالنظر اليها بشكل جماعي، فإن هذه التقارير تجزم بأنه في غضون سنوات قليلة تعرضت 8000 أمراًة على الاقل للاغتصاب من قبل الجماعات الأصولية المسلحة الجزائريّة.

II.   “أخيرا ستأكل الديدان عاري”:

رد فعل الدولة والمجتمع تجاه حالات الإغتصاب

ولم يتوقف الإغتصاب بتوقف الاعتداءات الجسدية، فغالبا ماكانت النّساء تتعرض للاعتداءات مرة أخرى إثر عودتهن إلى عائلاتهنّ، حتى أن بعض العائلات تنكرت لهنّ وتركتهنّ لمجتمع لطالما أدار ظهره لمثل هذه الحالات. كما أن الدولة أيضاً رفضت الاعتراف بهنّ في بعض الاحيان. وحسب قول خضر فإن بعض الضغوط لعدم الحديث في هذه الأمور إجتماعي وبعضها الآخر سياسي، وخاصة في حالة الأسر التي دعمت، ربما في البداية فقط، الإسلاميين.

وتركز مجموعات أخرى تدافع عن حقوق المرأة بشكل خاص على المواقف الاجتماعية من المواضيع الجنسيّة، وقد ساهم الموقف الأخلاقي من هذه الحالات في إضعاف القضية بالإضافة إلى الطرق اللوجستية والإدارية التي تم التعامل بها مع الموضوع والتي ساهمت في أيضاً في إضعافه.  وقد تم التعامل مع أجساد هؤلاء النّساء والفتيات الحوامل كدليل على “عارهن”، و لذلك كان يتم إخفاؤهن. وقد عانت بعض الناجيات للحصول على الاجهاض إما لكونهن بقين في الأسر حتى تأخر الوقت للقيام بعلمية الإجهاض، أو بسبب الوضع القانوني للإجهاض في الجزائر، وعليه أصبحت هذه النّساء ضحايا أيضا للحمل القسري.

وقد سمحت المادة 72 من قانون الصحة العامة والتي سميت فتوى غيدوم نسبة إلى وزير الصحة الأكاديمي الذي انتقد بشكل صريح وغاضب الإغتصاب في اجتماع في العام 1995 وأعلن التزامه بمساعدة النّساء الضحايا بالاجهاض “عندما يكون ضروريا لانقاذ حياة الأم و الحفاظ على توازنها النفسي”. إلا أن المجلس الاسلامي الأعلى في الجزائر أصدر فتوى في نيسان/ابريل عام 1998 تخص النّساء ضحايا الإغتصاب من الجماعات الأصولية المسلحة وتنص على أنه حتى في مثل هذه الحالات “يحظر الاجهاض الا للضرورة القصوى، لأن الاجهاض جريمة.” ووفقا لما قالته سليمة تلمساني  فإن بعض الأطباء قد قاموا في بعض الحالات بالتصرف بشكل فردي وخاطروا باجراء إجهاض لبعض تلك النّساء بصرف النظر عن موقف القانون الجزائري من الموضوع.

وعلاوة على ذلك، لم تُعطَ ضحايا الإغتصاب صفة ضحايا الإرهاب وبالتالي لم يكن لهن الحق في الحصول على تعويض من الدولة. (تم تصحيح هذا الفشل مؤخراً من خلال الأمر التنفيذي الذي صدر في 4 شباط/فبراير من العام 2014). وقد روت سليمة تلمساني عن مسؤول حكومي قوله بأنه لو حصلت هذه النّساء على تعويض مثل ضحايا التفجيرات الإرهابية أو الضحايا الذين اغتالت الجماعات الإرهابية المسلحة أسرهم، فذلك سيكون معادلاً للبغاء، لأنها ستنطوي على دفع أجر للنساء مقابل معاناتهن، وتذكرت تلمساني رد فعلها “لم أستطع أن أتمالك نفسي”، و أوضحت أن بعض المسؤولين المحليين تصرفوا بشكل فردي وأخذوا على عاتقهم محاولة مساعدة بعض الضحايا من النّساء من خلال منحهم وضعا استثنائياً، لكن هذا الأمر كان نادراً.

لقد حوّلت الاستجابة الضعيفة لحالات الإغتصاب من بعض الأسر وبعض قطاعات المجتمع وحتى الدولة في بعض الاحيان العديد من الناجيات إلى ضحايا مرة أخرى  وأخفت تجاربهم خلف ستار من الخزي. والواقع أن الوصمة كانت شديدة لدرجة جعلت ليلى أصلاوي تكتب في مجموعتها القصصية التي تحمل عنوان “المذنبون” عن معاناة العديد من النّساء الجزائريات، كما لو أنها تحكي لسان حال الضحيّة: “يجب أن أختفي ليعيش رجال عائلتي بسلام … فقط في باطن الأرض ستأكل الديدان عاري أخيرا”.

III.    من الذي يكفر عندما يرتكب الإغتصاب باسم الله؟: عقبات الوصول إلى الحقيقة والعدالة

مصطفى بن فضيل، الصحفي والكاتب والفنان الجزائري الذي كان ضحيّة العنف الأصولي في تسعينينات القرن العشرين يصوّر بشكل علني عنف “العشرية السوداء” واقع الإغتصاب في المجتمع الجزائري في أعماله. فقد أدى استخدامه وتكييفه الجريء لكلمات إحدى النّساء الناجيات من أحد تلك الفظائع الحقيقة في لوحته الفنية Maportaliche/ Écritures Sauvages “ليس مهما / كتابات متوحشة” إلى حذف عمله بشكل كامل بناء على أوامر أمير الشارقة من مهرجان الشارقة للعام 2011 الذي يقام كل سنتين وهوأحد أهم المهرجانات في العالم العربي. وقد تمّ فصل مخرج المهرجان لسماحه بعرض العمل. على إثر الحادثة، كتب بن فضيل

لقد انتقد بعض الحضور وبعض منظمي المهرجان النّص لكونه فاضحا ويحوي على الكفر. يمكن بالفعل أن يتم اعتبار الكلمات والوصف إباحياً، والحقيقة أن هذه القطعة وهي سرد يتصف بالهلوسة لأمراًة شابة تعرضت للاغتصاب من قبل الجهاديين الأصوليين، تمثل الاسلام المتشدد الذي عاشته بلدي خلال الحرب الأهليّة في التسعينيات. قد تكون الكلمات صادمة ولكن لاشي يصدم أكثر من الإغتصاب نفسه، ولايمكن لكل الكلام في العالم أن يعبر عن المعاناة الفظيعة لجثة مشوهة. وللاسف فما يقال هنا ليس ضربا من الخيال، آلاف النّساء الجزائريات تعرضنَ لمثل تلك المعاناة خلال الصّراع، وهي حقيقة لايتم التحدث عنها بالشكل الكافي …

بعد وقت قصير من إتلاف عمل بن فضيل لاحتوائه على نص حاول أن ينقل الحقيقة، هاجم عبد الحكيم مراد وهو بريطاني اعتنق الاسلام (يعرف ايضا باسم تيموثي جي وينتر) ويعمل محاضراً في قسم الشيخ زايد للدراسات الإسلامية في جامعة كامبريدج الفنان الجزائري في مجلة الفنون مدعياً أن عمله احتوى على “مضمون معاد للدين” وبأنه “يستمد جذوره من الرفض العصري لما هو مقدس”. وتشكل مثل هذه التهم في شمال أفريقيا حيث لاتزال الجماعات الأصوليه المسلحة فاعلة – وإن لم يكن على نطاق واسع كما جرى في التسعينيات – خطرا يحيط بالفنان الذي رد بشجاعة

لقد تمّ تأويل النّص كهجوم على الإسلام، فاسمحوا لي أن أوضح أن كلام شريفة يشير إلى إله ذكوري و همجي ومدمر للحريات بشكل أساسي، إنه إله الجماعات اإاسلامية المسلحة GIA تلك الطائفة الشريرة التي اغتصبت وانتهكت وارتكبت المجازر بحق الآلاف كشريفة تحت راية النموذج الثوري المرضي، الذي تم استلهامه على حد تعبيرهم من الأخلاق القرآنية. وبدون الحاجة إلى تبرير موقفي، علي هنا وببساطة أن أؤكد أنه لا علاقة لله الذي أؤمن به بالآلهة المدمرة والهدامة التي تتبعها تلك الحركات الجزائريّة…

وبطبيعة الحال، فإن ارتكاب عملياًت اغتصاب من قبل جماعات تدعي أنها تتصرف باسم الله هو مايجب أن يصنف ككفر، إلا أن كشف هذه الأعمال وإدانتها هو في الحقيقة مايتم اعتباره في معظم الاحيان أمراً غير مقبول وذلك داخل الجزائر وخارجها. إن نص بن فضيل ليس خيالاً، بل هو نص يستخدم  كلمات أمراًة من واقع الحياة نجت بحياتها وهي تصف بشكل قاس وهستيري هذه الاعتداءات الجنسيّة  التي قام بها من يدعون انهم مقاتلو الله بأنها

“تمت مباركتها

بكلمة الله المقدسة

لم يكن بن فضيل يحاول أن يولد الشعور بالصدمة لغرض الصدمة فحسب بل كان يحاول بصدق تسجيل الأعمال الوحشيّة التي تم ارتكابها في الماضي القريب في بلده، ليذكر عن طريق الشعر بالجرائم الدولية التي ارتكبت ضد النّساء هناك، وليدين محاولة استخدام الخطاب الدّيني لتبرير تلك الأفعال. ولكن بعض الامور ينظر اليها على انها لايصح ذكرها. لقد وصلت خلال بحثي إلى فهم سبب استخدام بن فضيل للاحرف الكبيرة في كتابة مقطعه الشعري الممنوع “اغتصاب قتل”، فهو يعلن رفضه لهذا الصمت.

ومع ضيق المساحة الصغيرة التي من الممكن التنديد فيها بالإغتصاب في داخل البلد وخارجه، اختفت المساءلة فيما يخص ذلك على المستويين المحلي والدولي. ففي داخل الجزائر نظم ميثاق السلم والمصالحة الوطنية فى عام 2005 غطاء للإفلات من العقاب للعديد من الجناة التابعين للحكومة وغير التابعين لها خلال العقد المظلم.  “الطرفان قررا العفو عن بعضهما، ولم يسمح للضحايا بابداء الرأي في هذ الخصوص.” وقد أشار عدنان بو شايب وهو محام جزائري وناشط في مجال حقوق الضحايا أنه لايفترض حسب المادة رقم 10 من الميثاق أن يستفيد الجناة من العفو في حالات الإغتصاب وحالات ارتكاب المجازر الجماعية واستخدام المتفجرات في الاماكن العامة. ومع ذلك، ففي واقع الأمر، عطلت “المصالحة” الحقيقة الرسمية وجميع عملياًت المساءلة بما فيها تحقيقات الطب الشرعي بخصوص المقابر الجماعية. حتى أن الميثاق يجرم بعض أشكال النقاش العام حول الصّراع، مما أدخل البلد في حإلى فقدان رسمي غريب للذاكرة، على الرغم من أن كل من هو فوق سن العشرين لم ينس ما حدث. ويبلغ هذا التناقض أشده لدى عائلات الضحايا، حيث يقول بو شايب “نعيش اليوم مع إرهابيين سابقين في قرى صغيرة حيث الكل يعرف بعضه”. إن ضعف المساءلة يعكس ويعزز صمت ضحايا الإغتصاب الذي فرض عليهم اجتماعيا. كيف يمكن للمرء أن يكسر حلقات محو الذاكرة هذه ومايرافقها من الإفلات من العقاب؟

مع الإغفال المحلي والدولي ومع الصمت والإغلاق الذي أحاط بحالات الإغتصاب الجماعي لأحداث التسعينيات، كان هناك فتحات مفاجئة أوجدتها تلك الفظائع على الساحة المحلية. فمن المفارقات المثيرة التي تحدثت  عنها محامية حقوق الانسان الجزائريّة ناديا أيتازي والتي تدير مركز المعلومات حول حقوق الأطفال والنّساء، أنه وعلى الرغم من الصمت الواسع حول الاسترقاق الجنسي الذي حدث خلال أحداث التسعينيات، إلا أنّ الصدمة التي خلفتها عملياًت الإغتصاب الجماعي التي ارتكبها الأصوليون فتحت في حقيقة الأمر مجالاً جديداً لمجموعة النّساء المدافعات عن حقوق الانسان في الجزائر للحديث عن كل أشكال العنف ضد النّساء بدءا بالعنف الجنسى. وتقول “بدأنا نتحدث عن العنف الآخر”، فعلى الرغم من الصمت الذي كان، زاد عدد النقاشات المفتوحة حول حالات الإغتصاب التي حدثت في التسعينيات عن النقاشات التي دارت في الماضي عن حالات أخرى من العنف الجنسي الذي كان يحدث ضمن الأسرة والمجتمع أو حتى ذل الذي قامت به القوات الفرنسية خلال حرب الاستقلال. ومن هنا فان التقرير الصادر عن حلقة البحث (السيمينار) التي أجرتها وزارة الصحة الجزائريّة في العام 2001 يقول انه

خلال هذه الفترة، وللمرة الأولى على الإطلاق، قام البعض بالحديث علانية عن العنف الجنسي ضدّ المرأة وعلى الرغم من الخوف والخزي وثقل المحظورات، تجرّأ عدد صغير من النّساء ضحايا العنف الجنسي على كسر قانون الصمت، وتمّ تناقل كلامه في وسائل الاعلام والجمعيات النسائية للتنديد بسوء المعاملة التي تعرضنَ لها.

وحسب الوزارة، فإن هذا الشيء لم يمكن ليتحقق لولا صلابة موقف الصحفيين ومجموعة النّساء المدافعات عن حقوق الانسان في بيئة صعبة وخطرة جداً.  فقط حين يشعر المرء أن البدء في مناقشة محدودة للغاية لحالات اغتصاب التسعينيات  بانه خطوة إلى الامام يمكن  حينها تصور العقبات التي واجهتها مجموعة النّساء المدافعات عن حقوق الانسان في الجزائر في جهودهم لتوثيق مأحدث في التسعينيات.

معنى الإغتصاب الجهادي

إحدى الطرق التى قارعت بها مجموعة النّساء المدافعات عن حقوق الانسان في الجزائر المجموعة الإسلامية المسلحة في التسعينيات كانت عن طريق تحليل العنف الأصولي باستخدام مصطلحات نسائية (تساوي بين الجنسين)، من وجهة نظر الباحثين الاجتماعيين والخبراء التقنيين والمدافعين عن حقوق الانسان. هذا التحليل لايزال اليوم إرشادياً، في فترة بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية، لكن لايستشار دولياً في هذا السّياق. ترى رابطة راشدة، وهي إحدى مجموعات النّساء المدافعات عن حقوق الانسان في الجزائر والتي كانت مشاركة بشكل كبير في مشروع توثيق جرائم الأصوليين بشكل عام وحالات الإغتصاب بشكل خاص والوقوف في وجههم، أن حالات الإغتصاب الجماعي التي ارتكبها الأصوليون في التسعينيات كانت التعبير المنطقي عن فكرهم الأصولي  الذي يتخذ كراهية النّساء اساساً له – هذا الفكر يشكل بحد ذاته انتهاكاً للقانون الدولي ومعايير حقوق الانسان.  لم ينتج هذا العنف عن الصّراع بالصدفة، بل جاء نتيجة التطبيق العملي لفكر محدد. وقد شكلت هذه الهجمات على النّساء امتداداً طبيعيا لهمجات سابقة ارتكبها الأصوليون الجزائريون بحق النّساء الجزائريات قبل بدء الصّراع بمن فيهن الأرامل اللاتي لم يتزوجن بعد وفاة أزواجهنّ ونساء أخريات كن يعشن وحدهن بشكل مستقل. “هذا العنف المطلق لايعكس جنوناً جماعياً ولاشذوذاً ولاساديةً من قبل أشخاص معينين … ولكنه نتيجة المشروع السياسي الذي تستند فيه جميع الممارسات والنظام القضائي إلى مسوغات دينية”.

والواقع أن الأصوليين فى الجزائر لطالما اعتمدوا ممارسة مهجورة في الاسلام السني (مرفوضة في الإسلام السني) تعرف باسم زواج المتعة أو الزواج المؤقت لتبرير حالات الإغتصاب، فكانت الضحايا تصبح قسراً زوجات لهنّ مهما قصرت المدة وهو مايبيح لهم جرائمهم ويسبغ على الإغتصاب صفة المعاشرة الزوجية. وقد تم فرض الزواج القسري كنوع من القانون العرفى ليشكل مبرراً قضائياً ودينياً للاغتصاب الجماعي. وقد قوبلت محاولة التبرير هذه بالرفض من معظم الجزائريين وبالغضب من المدافعين عن حقوق المرأة.

كان المدافعون عن حقوق المرأة مدركين أن التمييز المتفشي ضد المرأة في المجتمع الجزائري سهل عملياًت الإغتصاب وأحبط الجهود الرامية إلى منعها ومعالجتها. تقول شريفة خضر أنه “كي نبدأ في الحديث عن الإغتصاب علينا أن نتحدث عن تاريخ الإغتصاب وماسبقه”، وبالأخص قانون الأسرة الجزائري المتردي والذي لطالما حاربته مجموعة النّساء المدافعات عن حقوق الانسان لأنه جعل دور المرأة في الزواج ثانوياً، وجعل التربة خصبة لأطروحات الجماعة الإسلامية المسلحة GIA  حول شرعية الزواج القسري. وقالت أصيلة سي صابر الناشطة في التجمع النسائي الديمقراطي الجزائري (RAFD) عام 1994 “حالياً يتم اغتيالنا من قبل الأصوليين، إلا أنه تم اغتيالنا قبل ذلك من قبل قانون الأسرة الذي أقره التجمع الوطني المحافظ”. ان الفرضيات الأساسيّة للعنف الأصولي ضد المرأة يختفي خلف قانون الأسرة، فاجساد النّساء وأولادهن وعملهن وحياتهن الجنسيّة ينظمها ويتحكم بها الرجال بموجب القانون. وقد رفضت العديد من النّساء الجزائريات وبمرارة كلا الوجهين لهذا البرنامج.

كما أشارت المعلقات النسويات الجزائريات (المعلقون النسويون) إلى أهداف “التنقية” التي يرمي إليها العنف الأصولي في الجزائر والتى تنفرد بها الجماعات المسلحة غير الحكومية. على سبيل المثال، وثّقت دليلة لامارين جربال المتخصصة في علم الإجتماع تصريحات الحزب السياسي الأصولي المعروف باسم “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” FIS  والتي تنتقد الطبيعة الآثمة  للمجتمع الجزائري وتدعو على نحو خاص إلى السيطرة على النّساء لتجنب “الفتنة” (الفوضى).   وتلاحظ أن الجبهة الإسلامية للانقاذ أعطت لنفسها المسؤولية عن “التطهير الإجتماعى” وعبرت عن ذلك علانية في صحيفة (المنقذ) التي تقوم هي باصدارها. وتضيف الباحثة أنه يجب فهم حالات الإغتصاب على خلفية المطالب الأصولية للفصل بين الجنسين وارتداء النّساء لغطاء الرأس (والوجه) كما يجب فهم ذلك على خلفية العنف الذي سبق الصّراع بما في ذلك الهجمات المنظّمة للأصوليين على مهاجع النّساء.  وترى الناشطة النسائية شريفة بو عطى، الأخصائية في علم النفس، أن جذور العنف الأصولي لاتكمن فقط التمييز ضد النّساء بل أيضا في إصرار التكفيرين بأنه “لا أحد معنا، ولانقبل أحداً إلا من كان لديه نفس المفهوم الدّيني” وسعيهم للقضاء على “الآخر” (المسلمون “السيئون”) للوصول إلى “تنقية دينية وعرقية تستند إلى الهويّة”. تثبت صحة تحليلات هؤلاء الباحثين النسائيين والناشطين بسرعة عند النظر إلى البيان الرسمي الذي أصدرته الجماعة الإسلامية المسلحة   GIA في نشرتها “الجماعة” التي صدرت في لندن.

عندما تسمع عن ذبح أعناق النّساء والأطفال وكبار السن في القرى، فاعلم أنهم حلفاء المرتدين، أو أن ذلك تطبيق للبيان فيما يخص … أولئك اللاتي لايرتدين الحجاب [لباس طويل يغطي كامل الجسم] لا توجد عملياًت عشوائية او فوضوية… فقد اختار المجاهدون ضحاياهم … النّساء اللاتي يتجولن شبه عاريات ويرتدين المجوهرات ويضعن العطورات ويروجن للبغاء … لو كان أجداًدنا على قيد الحياة لقاموا هم بقتل كل هؤلاء النّساء أو لربما قتلونا أولا لأننا سمحنا لأولئك النّساء أن يتصرفن على هذا النحو.

بعد التفكير ملياً في هذه المواقف، تشرح سليمة تلمساني أن المجموعات المسلحة قامت باستخدام اغتصاب النّساء كوسيلة للإرهاب بسبب رمزية دور المراة فى المجتمع الجزائرى   “إن لمستها تكون قد أخذت كل شيء …. فهي مصدر الحياة وهي شرف الأسرة وهي البيئة بأكملها.” يمكن استخدام هذا الدور بشكل مخيف كسلاح ضد المجتمع نفسه من جانب هذه المليشيات دينية.  بحيث تصبح المرأة المغتصبة عاراً على الأسرة بأكملها وعلى القبيلة وعلى الحي. تقتل امرأة لاترتدي الحجاب فترتدي نساء الحي بأكمله الحجاب في اليوم التالي، ولا يسمح رجل لزوجته أو ابنته بالخروج دونه.  لقد درسوا عواقب هذا العنف على المحيط بشكل جيد. فمن خلال العنف دفعوا الآخرين ليتبعوا ويندمجوا ويتلاءموا مع القالب الذي حضروه للمجتمع.

IV. الاستنتاج:

مضى قرابة عشرون سنة على إغتصاب النّساء الجزائريات من قبل المجموعات الجهادية – كيفية وقوع هذه الأحداث وطريقة تجاهلها والإهمال والنسيان التي تعرضت له الضحايا – كل ذلك يجب أن يثير الغضب حتى اليوم في مجتمع دولي قد بدأ للتو بالانتباه إلى ضرورة محاربة  العنف الجنسى فى الصّراعات المسلحة على المستوى العالمى. وينبغى أن تتم دراسة حالات العنف الجنسي في المناطق ذات الغالبية العربيّة والإسلامية فى العالم حيث تنتشر مثل هذه الحالات، ويجب الدعوة  إلى المساءلة الدولية والاقليمية والمحلية للفظائع التي ارتكبت في تسعينيات القرن العشرين، لأن ذلك هام سواء من ناحية العدالة أم من ناحية منع تكرار هذه الحالات. وعلى الرغم من مرور عقدين من الزمان منذ ذروة “عقد الظلام”، لم يفت الأوان على تحقيق العدالة.

وتُعدّ مسألة الإغتصاب من قبل الجهاديين أمراً ملحا اليوم، فقد أصدرت ماتدعى ب”الدولة الإسلامية” في العام 2014 في صحيفتها المريعة باللغة الإنجليزية “دابق” مقالا عنوانه “إحياء الرق: قبل قيام الساعة” وتتحدث فيها مطولا عن الاسترقاق الجنسي للنساء العراقيات من الأقلية اليزيدية العراقية. وكما الجماعات الأصولية المسلحة في الجزائر فان الدولة الإسلامية تعلن إساءاتها للنساء والتي تقوم بها كسياسة عامة. لحسن الحظ تلقى هذه الموجة الجديدة من الإغتصاب الجهادي المنظم  بعض الإهتمام عالمياً، إلا أنه لنتمكن من إيقاف هذه الانتهاكات بشكل فعال ورد الإعتبار للضحايا وإعادة تأهيلهن يجب أن نستمع إلى أصوات النّساء اللاتي عانين هذا النوع من الانتهاكات، ونتعلم من تجربة مجموعة النّساء المدافعات عن حقوق الانسان في الجزائر WHRDs واللاتي خاطرن بحياتهن لكشف وتحليل هذه الأنواع من الممارسات على  أخطر الجبهات.

وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى المبررات القضائية والدّينية لهذه الممارسات بعينها والتي ترتكز على عقيدة إسلامية أصولية تم توثيقها في تسعينيات القرن العشرين – الأساس المنطقي لحملة الفظائع التي تستمر في الانتشار اليوم عن طريق ورثة الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر –  يجب علينا اليوم أن نتعلم الدرس الواضح، بأنه لكي نحارب العنف المعاصر والمماثل لعنف الأمس لا يكفي أن نهاجم فقط الأعراض المروعة التي تمثلها هذه الانتهاكات، وإنما و كما أكد أعضاء من مجموعة النّساء المدافعات عن حقوق الانسان الجزائريّة كشريفة خضار بأنه علينا أن نشفي المرض نفسه – بمكافحة الفكر الأصولي الذي ينتجه.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here